أحمد بن علي القلقشندي

28

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

هذه المكاتبة إلى المجلس الفلاني أعلى اللَّه سلطانه ، وعمر بالنجاح آماله وبالسعادة أوطانه ، ولا زالت يد النصر تصرّف يوم اللَّقاء عنانه ، ويد لطف اللَّه تفيض على الخلق يوم العلياء عنانه ( 1 ) ، وتمكَّن من هام الأعداء ونحورهم سيفه وسنانه ؛ ( نشعره ) أنه لم تزل عوائد ( 2 ) اللَّه سبحانه عندنا متكفّلة ما يوجب أن يبدأ الحمد ويعاد ، مقرّبة لنا من الآمال كلّ ما كان رهين نأي وبعاد ، موافقة لنا بالتوفيق فكأننا وإياه على ميعاد ، معينة لنا على ما يعتدّه الغاشّ معاش وعيد معاد . وقد كان ما علم من غزوتنا إلى أيلة التي اتخذها العدو معقلا ، وتديّرها ( 3 ) منزلا ، وعدّها موئلا ؛ وغاض بها رونق الجملة ( 4 ) ، وفاض ( 5 ) بها أهل القبلة ، وصارت على مدارج الأنفاس ، وعلى مراصد الافتراص ( 6 ) والافتراس ؛ وخصّت الحرمين بأعظم قادح ، واشتد عن حادثتها ( 7 ) من لطف اللَّه أعظم فاتح ؛ ولما توجّهنا إليها ، ونزلنا عليها ؛ شاهدنا قلعة يحتاج راميها إلى الدّهر المديد ، والأمل البعيد ، والزاد العتيد ، والبأس الشديد ؛ تنبو بعطف جامح عن الخطبة ( 8 ) ، وتعرض بذكر مانع عن الضربة ؛ وتعطف بأنف على السّحاب شامخ ، وتطلع في الصباح بوجه شادخ ( 9 ) ، كأنما بينها وبين الأيّام ذمام ، وكأنّ نار الحوادث إذا بلغت ماءها برد وسلام ؛ فأطفنا بها متبصّرين ، ونزلنا من ناحية البرّ بها مفكَّرين ؛ وبينا نحن نأمر بالحرب أن يشبّ أوارها ، وبالخيل أن تسيّر أسرارها ( 10 ) ، وبنار اللَّقاء أن يستطير شرارها ، وبقناطير

--> ( 1 ) العنان ، بفتح العين : السحاب ، وما يبدو لك من السماء . ( 2 ) جمع عائدة وهي المعروف والصّلة . ( 3 ) تديّرها : اتخذها دارا . ( 4 ) أي ذهب بها رونق الكلام . والمراد فسد كلامها باستيلاء الأعاجم عليها . ( 5 ) فاض ، هنا ، بمعنى : مات . يقال : فاضت نفسه أي خرجت . ( 6 ) فرصه : قطعه وخرقه . ( 7 ) الحادثة : النائبة . ( 8 ) المراد : صعبة المنال . والخطبة : طلب المرأة للزواج . ( 9 ) شدخت الغرّة : اتسعت في الوجه . ( 10 ) يقال : سرّ النسب : محضه وأفضله ؛ وهو في سرّ قومه : في أفضلهم ، والجمع أسرار وسرار . وأسرار الخيل : أفضلها .